الشيخ محمد رشيد رضا

141

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

دخولهم في عنوان معين ، وانتمائهم إلى نبي مرسل ، وينتقم من بعض الناس لأنهم لم يطلق عليهم ذلك العنوان ، أو لم يتفق لهم الانتماء إلى ذلك الانسان . هذا ما كانوا يظنون في دينهم ويسندونه إلى مشيئة اللّه المطلقة ، من غير تفكر في حكمته البالغة ، وتطبيقها على سننه العادلة ، فان نبههم منبه إلى ما يصيبهم بل ما أصاب أنبياءهم من البلاء ، قالوا إنه تعالى يفعل ما يشاء ، وذلك رفع درجات ، أو تكفير للسيئات وأشباه هذا الكلام الذي يشتبه عليهم حقه بباطله ، ويلتبس عليهم حاليه بعاطله ، وقد كان وما زال علة غرور أصحابه بدينهم ، واحتقارهم لكل ما عليه غيرهم فجاء القرآن يبين للناس أن مشيئة اللّه تعالى في خلقه إنما تنفذ على سنن حكيمة وطرائق قويمة ، فمن سار على سننه في الحرب - مثلا - ظفر بمشيئة اللّه وان كان ملحدا أو وثنيا ، ومن تنكبها خسر وإن كان صدّيقا أو نبيا ، وعلى هذا يتخرج انهزام المسلمين في وقعة أحد حتى وصل المشركون إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فشجوا رأسه ، وكسروا سنه ، وردّوه في تلك الحفرة ، كما بينا ذلك في تفسير الآيات السابقة ، وسيأتي بسطه في الآيات اللاحقة ، ولكن المؤمنين الصادقين أجدر الناس بمعرفة سنن اللّه تعالى في الأمم ، وأحق الناس بالسير على طريقها الأمم ، لذلك لم يلبث أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن ثابوا يومئذ إلى رشدهم ، وتراجعوا للدفاع عن نبيهم ، وثبتوا حتى انجلى عنهم المشركون ؛ ولم ينالوا منهم ما كانوا يقصدون . وكأن بعض المسلمين لم يكونوا قد حفظوا ما ورد في السور المكية من إثبات سنن اللّه في خلقه وكونها لا تتبدل ولا تتحول كسورة الحجر وبني إسرائيل والكهف والملائكة أو « فاطر » وهي التي ذكرنا بعضها آنفا وأشرنا إلى بعض - أو حفظوه ولم يفقهوه ولم يظهر لهم انطباقه على ما وقع لهم في أحد كما يعلم من قوله الآتي ( أَ وَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنَّى هذا ؟ قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ ) لذلك صرح لهم في بدء الآيات التي تبين لهم سننه ان له سننا عامة جرى عليها نظام الأمم من قبل ، وأن ما وقع لهم مما يقص حكمته عليهم هو مطابق لتلك السنن التي لا تتحول ولا تتبدل . ولما كان التعليم بالقول وحده من غير تطبيق على الواقع مما ينسى أو يقل الاعتبار